ابن الجوزي

349

صيد الخاطر

وقد تنبأ أقوام قبل نبينا صلّى اللّه عليه وسلم كزرادشت « 1 » وماني ، وافتضحوا ، وما من المدعين الا من خذل . وقد جاءت القرامطة بحيل عجيبة . وقد ذكرت جمهور هؤلاء وحيلهم في كتابي التاريخ المسمى بالمنتظم . وما فيهم من يتم له الامر الا ويفتضح . ودليل صحة نبينا صلّى اللّه عليه وسلم أجلى من الشمس . فإنه ظهر فقيرا والخلق أعداؤه فوعد بالملك فملك . وأخبر بما سيكون فكان . وصين من زمن النبوة عن الشره وخساسة الهمة والكذب والكبر . وأيد بالثقة والأمانة والنزاهة والعفة . وظهرت معجزاته للبعيد والقريب . وأنزل عليه الكتاب الذي حارت فيه عقول الفصحاء . ولم يقدروا على الاتيان بآية تشبهه فضلا عن سورة . وقد قال قائلهم وافتصح . ثم أخبر أنه لا يعارض فيه فكان كما قال . وذلك قوله تعالى « فَأْتُوا بِسُورَةٍ » * . ثم قال « فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا » . وكذلك قوله « فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ » فما تمناه أحد إذ لو قال قائل قد تمنيته لبطلت دعواه . وكان يقول ليلة غزاة بدر : غدا مصرع فلان هاهنا فلا يتعداه . وقال : إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده . وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده « 2 » فما ملك بعدهما من له كبير قدر ، ولا من استتب له حال . ومن أعظم دليل على صدقه أنه لم يرد الدنيا ، فكان يبيت جائعا ويؤثر إذا وجد ، ويلبس الصوف ويقوم الليل . وإنما تطلب النواميس لاجتلاب الشهوات ، فلما لم يردها دل على أنه يدل على الآخرة التي هي حق . ثم لم يزل دينه يعلو حتى عم الدنيا . وان كان الكفر في زوايا الأرض الا انه مخذول . وصار في تابعيه من أمته الفقهاء الذين لو سمع كلامهم الأنبياء القدماء تحيروا « 3 » في حسن استخراجهم ، والزهاد الذين لو رآهم الرهبان تحيروا في صدق زهدهم . والفطناء الذين لا نظير لهم في القدماء .

--> ( 1 ) لم يثبت أن زرادشت ادعى النبوة وما يدرى ما حقيقته ، وأصل مذهبه التوحيد ثم خلطه أتباعه بالكفر : وكتابه « زندانافستا » . ( 2 ) انظر ثبت الأحاديث في آخر الكتاب . ( 3 ) أنا لا أستحسن من المؤلف هذه الجرأة على الأنبياء ، ولا أحسبها تحسن في الشرع .